بابنوسة.. مدينة الحديد والحكايات التي تحولت إلى ساحة حـ رب بعد قرن
متابعة ـ آخر خبر
ـ بعد قرنٍ من نشأتها كمدينة نابضة بالحياة، خَلت بابنوسة من مدنييها اليوم، بعدما كانت نموذجًا مصغرًا للتعايش السوداني والتنوع الاجتماعي والنهضة الحديثة في غرب البلاد.
كان اسمها القديم “القُبّة”، نسبةً إلى قبة الشيخ الولي أبو سماعين، جد القيادي الراحل في حزب الأمة عبدالرسول النور، ولا يزال أحد أحياء المدينة يُعرف حتى اليوم باسم حي أبو إسماعين.
وفي ديسمبر عام 1948، افتتح الزعيم عبدالرحمن عبدالكريم أول متجر في المنطقة باقتراح من والده الفكي عبدالكريم جبريل، قبل أن يتبدّل الاسم إلى “بابنوسة” — أو كما ينطقها أهلها “البابنوصة” — نسبةً إلى شجرة الأبنوس التي تنتشر حول المنطقة.
من القبة إلى مركز السكة الحديد
شهدت ستينيات القرن الماضي تحوّلًا جذريًا في بابنوسة مع وصول خط السكة الحديد المتجه إلى نيالا وواو، لتصبح المدينة مقرًّا لإدارة القسم الغربي في سكك حديد السودان.
ومع هذا التحول، أصبحت أيضًا منفى للنقابيين والمناضلين اليساريين الذين نُقلوا إليها، فحوّلوها إلى مركز للقوى الديمقراطية والنقابات والحراك المدني.
أرسل الحزب الشيوعي في تلك الفترة أحد أبرز مناضليه، عبدالحميد علي، الذي عاش وسط الأهالي باسم حركي هو بابكر، وأقام صداقة متينة مع ناظر عموم دار المسيرية بابو نمر علي الجلة، حفيد القادة المهدويين.
وكان للناظر دور كبير في تشجيع أبناء المنطقة على العمل في السكة الحديد ومصنع الألبان، حتى أنه احتج رسميًا على نقل عبدالحميد إلى الجزيرة، في رسالة بعثها إلى الشهيد عبدالخالق محجوب.
ومن هناك، انطلقت فروع الحزب والنقابات الديمقراطية بجهود أبناء المنطقة مثل محمد سليمان قور، القوني، ومحمود خاطر، الذين ساهموا في تأسيس اتحاد عام أبناء المسيرية في سياق المدّ الديمقراطي الذي أعقب ثورة أكتوبر.
بابنوسة.. المدينة التي كانت
عرفت بابنوسة يومًا بأنها مدينة المسجد والكنيسة ومصنع الألبان وسينما الخواجة، حيث كانت تتجاور بقالة عم عيدو جورج مع دكان الناشط الجنوبي ماريو مسكين، وتضج الأحياء بأصوات الموسيقى والرياضة من فرق مثل الأهلي، الشبيبة، والترس.
كانت المدينة موئلًا للثقافة والنور، فيها مكتبة الجماهير وصفارات السكة الحديد ومستشفى ومياه وكهرباء، حتى غدت رمزًا للمدنية والحداثة في غرب السودان.
الناظر والمثقفون: مشهد من الذاكرة
يحكي المهندس هاشم محمد أحمد في مذكراته أنه عندما زار الناظر بابو نمر في منزله الشهير، وجده يجلس تحت شجرة الناظر يستمع إلى أغنية أم كلثوم “الأطلال”، يتأمل الوطن على وقع موسيقى بعيدة تشبه الزمن الذي كانت فيه بابنوسة مدينة سلام.
كما وثّق بروفيسور فرانسيس دينق في مؤلفاته العلاقة بين والده الناظر دينق مجوك وناظر المسيرية بابو نمر، حيث نقل عنه قوله إن دية المرأة تساوي دية الرجل في عرف المسيرية، وهي رواية أكّدتها لاحقًا المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم في أحد حواراتها الصحفية.
ويروي الدكتور منصور خالد في مذكراته أن الناظر بابو نمر، خلال زيارة الرئيس جعفر نميري للمجلد في بداية حكم مايو، قال له بينما كان الهتاف يعلو ضد الإدارة الأهلية:
“الإدارة الأهلية سقطت لما القطر دخل بابنوسة.”
بابنوسة اليوم.. من مدينة للحياة إلى أطلال حرب
الآن، وبعد أكثر من سبعين عامًا من المدنية والتعايش، دخلت المسيـ رات والقـ ذائف والطائرات إلى بابنوسة، فحوّلتها من مدينة السكة الحديد والموسيقى إلى ساحة حـ ربٍ ودمارٍ ونزوحٍ جماعي.
تقدّر أعداد النازحين منها بنحو 200 ألف شخص، يرحلون نحو المجهول، حاملين معهم ذاكرة مدينةٍ كانت ذات يوم رمزًا للحياة الحديثة في غرب السودان.
