آخر خبر
اخبارك في موعدها

هل في أمل السودان يتصلح..لماذا السودان بلد فقير أصلاً..؟ الإجابة

هل في أمل السودان يتصلح..لماذا السودان بلد فقير أصلاً..؟

هذا سؤال ملح لدى كثيرين وباللغة الاقتصادية فإن كلمة يتصلح تعني شيئاً محدداً:

انتقال السودان من دولة منخفضة الدخل إلى دولة متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا Low-Middle Income Country خلال المدى المتوسط، مع نمو مستدام واستقرار اقتصادي وتوقعات إيجابية لدى الفاعلين الاقتصاديين.

لكن قبل الإجابة يجب طرح سؤال أعمق: لماذا السودان بلد فقير أصلاً..؟

في أدبيات اقتصاد التنمية يوجد شبه إجماع على أن الفارق الجوهري بين الدول الغنية والفقيرة يتمثل في إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية Total Factor Productivity (TFP)، بينما يستمر الخلاف حول ما الذي يرفعها أو يخفضها.

عناصر الإنتاج هي الأرض والعمل ورأس المال والتنظيم أو الإدارة، والـTFP لا يقيس وفرة هذه العناصر بل كفاءة تركيبها معاً؛ أي أنه إنتاجية المزيج لا إنتاجية عنصر واحد.

بالتالي فالمسألة ليست أن الدول الفقيرة تفتقر للموارد، بل أنها لا تحوّل ما تملكه إلى قيمة بنفس الكفاءة.

الفرق بين اقتصادين لا يظهر في كمية المدخلات بقدر ما يظهر في مقدار الناتج المتولد من نفس المدخلات.

هذا الإجماع على دور الـTFP في فهم لماذا هناك دول غنية وأخرى فقيرة تبلور منذ منتصف الخمسينيات وظل مستقراً حتى اليوم.

قبل ذلك كانت النظرية السائدة هي نظرية الإنتاج؛ حيث كان التصور أن الفرق بين أوروبا الغنية وأفريقيا الفقيرة هو الادخار الذي يتحول إلى رأس مال ثم إلى استثمار فإنتاج أكبر.

لذلك كان السعي نحو تجسير فجوة رأس المال بالاقتراض وبناء المشاريع والمصانع بما يرفع الإنتاج وبالتالي تلحق هذه الدول بالدول الغنية، وهو تصور ثبت لاحقاً قصوره.

المفارقة أن جزءاً كبيراً من الخطاب الاقتصادي في السودان لا يزال يعيش في تلك المرحلة الفكرية؛ فتجد الحديث عن الإنتاج كمخرج وحيد للاقتصاد، أو يتم دمجه مع الإنتاجية في الخطابات السياسية:

نسعى لزيادة الإنتاج والإنتاجية رغم أن كل واحدة منهما تنتمي لمرحلة فكرية مختلفة.

نعود الآن للسؤال: ما الذي يفسر ارتفاع وانخفاض الإنتاجية الكلية؟

في البداية ظهرت مدرسة رأس المال البشري التي قالت إن التعليم الجيد والمهارات يفسران ارتفاع الإنتاجية، ولاقت رواجاً واسعاً في السبعينيات والثمانينيات.

ثم تلتها مدرسة التكنولوجيا والابتكار التي لم تنفِ الأولى بل حددت عناصر ملموسة أكثر وهي القدرة على الابتكار وإنتاج التكنولوجيا، لكنها تعرضت لنقد قوي إذ ثبت أن التكنولوجيا تنتقل ولا تحتكر وتحقق ميزة محدودة لمن ينتجها أولاً.

ثم جاءت مدرسة الأسواق والسياسات في أواخر الثمانينيات، وقالت بضرورة خصخصة الإنتاج وفتح الأسواق، لكنها حققت نتائج محدودة حيث ثبت أن تحرير الأسواق دون بناء مؤسسات سوق لا يحقق النتائج المطلوبة(بورصة السلع). 

مع مطلع الألفية برز تفسير أكثر نضجاً هو مدرسة المؤسسات Institutional Economics، التي ترى أن جودة القواعد التي يعمل داخلها الاقتصاد — حماية الملكية، تنفيذ العقود، استقرار القوانين، استقلال الجهات التنظيمية وحدود تدخل السلطة — هي المحدد الرئيسي للإنتاجية.

جذور هذا الاتجاه تعود إلى أعمال دوغلاس نورث، بينما انتشر على نطاق واسع عبر أعمال أجيموغلو وروبنسون وكتاب Why Nations Fail (2012) المبني على ورقتهم لعام 2001، وقد حصلوا على جائزة نوبل عام 2024.

في السنوات الأخيرة ظهر اتجاه تطبيقي داخل هذه المدرسة يسمى Resource Misallocation سوء توزيع الموارد ضمن Quantitative Development Economics.

لا يكتفي هذا الاتجاه بالقول إن المؤسسات مهمة، بل يوضح كيف تؤثر عملياً على الإنتاجية:

في الاقتصادات الضعيفة لا تذهب الموارد إلى الأكثر كفاءة، فالشركات الأقل إنتاجية تبقى وتكبر بينما لا تتوسع الشركات الأكفأ لأن رأس المال يوزع بالنفوذ والقيود التنظيمية، وبالتالي لا ينتقل العمل والموارد إلى الاستخدام الأفضل.

ولهذا يمكن أن يرتفع إنتاج نفس المصنع فوراً إذا انتقل إلى بيئة أكثر تنظيماً دون إضافة أي موارد جديدة — وهو تفسير أدق لما يعبّر عنه الناس عادة بعبارة أن المشكلة في “السيستم”.

والآن بالعودة للسؤال: هل في أمل السودان يتصلح..؟

بعد هذا الشرح يصبح السؤال أدق: هل يمكن أن ترتفع إنتاجية عوامل الإنتاج في السودان..؟

الإجابة: نعم، في أمل.

أما كيف يمكن تحقيق ذلك فسنحاول الإجابة عليه في مقال مكمل.

مصعب عوض محمد خير

شاركها على
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.